الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
94
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مبتدأ وشرط أن يجري ما بعدهما على ما يناسب جملة الشرط لأن المفعول الأول لأفعال القلوب في معنى المبتدأ . وجملة هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ جواب إِنْ . واستعمال العرب إذا صدّر الجواب بأداة استفهام غير الهمزة يجوز تجرده عن الفاء الرابطة للجواب كقوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [ الأنعام : 47 ] ، ويجوز اقترانه بالفاء كقوله : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ [ هود : 63 ] . فأما المصدّر بالهمزة فلا يجوز اقترانه بالفاء كقوله : أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى [ العلق : 13 ، 14 ] . وجواب الشرط دليل على المفعول الثاني لفعل الرؤية . والتقدير : أرأيتم ما تدعون من دون اللّه كاشفات ضرّه . والهمزة للاستفهام وهو إنكاري إنكارا لهذا الظن . وجيء بحرف هَلْ في جواب الشرط وهي للاستفهام الإنكاري أيضا تأكيدا لما أفادته همزة الاستفهام مع ما في ( هل ) من إفادة التّحقيق . وضمير هُنَّ عائد إلى ما الموصولة وكذلك الضمائر المؤنثة الواردة بعده ظاهرة ومستترة ، إما لأن ( ما ) صدق ما الموصولة هنا أحجار غير عاقلة وجمع غير العقلاء يجري على اعتبار التأنيث ، ولأن ذلك يصير الكلام من قبيل الكلام الموجه بأن آلهتهم كالإناث لا تقدر على النصر . والكاشفات : المزيلات ، فالكشف مستعار للإزالة بتشبيه المعقول وهو الضرّ بشيء مستتر ، وتشبيه إزالته بكشف الشيء المستور ، أي إخراجه ، وهي مكنية والكشف استعارة تخييلية . والإمساك أيضا مكنية بتشبيه الرحمة بما يسعف به ، وتشبيه التعرض لحصولها بإمساك صاحب المتاع متاعه عن طالبيه . وعدل عن تعدية فعل الإرادة للضر والرحمة ، إلى تعديته لضمير المتكلم ذات المضرور والمرحوم مع أن متعلق الإرادات المعاني دون الذوات ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال : إن أراد ضرّي أو أراد رحمتي فحق فعل الإرادة إذا قصد تعديته إلى شيئين أن يكون المراد هو المفعول ، وأن يكون ما معه معدّى إليه بحرف الجرّ ، نحو أردت خيرا لزيد ، أو أردت به خيرا ، فإذا عدل عن ذلك قصد به الاهتمام بالمراد به لإيصال المراد إليه حتى كأن ذاته هي المراد لمن يريد إيصال شيء إليه ، وهذا من تعليق الأحكام بالذوات .